اقتصاد

مخزونات الغاز الأوروبية عند نحو 63% — أدنى مستوى منذ 2011

مخزونات الغاز الأوروبية عند نحو 63% — أدنى مستوى منذ 2011

تراجع المخزون إلى نحو 63% مع اتساع الفجوة عن المتوسط التاريخي.. وارتفاع الأسعار واضطراب سوق الغاز المسال يضغطان على وتيرة إعادة التعبئة قبل موسم التدفئة

تدخل أوروبا الأسابيع الأخيرة من موسم إعادة تعبئة مخزونات الغاز الطبيعي وهي في وضع أكثر هشاشة مقارنة بالسنوات الأخيرة، بعدما استقرت مستويات التخزين عند نحو 63% من القدرة الإجمالية، في وقت تتزامن فيه المخزونات المنخفضة مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي المسال وزيادة المنافسة العالمية على الشحنات المتاحة.

وتشير البيانات المستندة إلى منصة Gas Infrastructure Europe – GIE إلى أن مستوى امتلاء منشآت التخزين في الاتحاد الأوروبي بلغ نحو 63.3% في 24 أغسطس/آب 2026، مقابل نحو 76.2% في اليوم نفسه من العام الماضي، فيما يبلغ المتوسط التاريخي لهذا التوقيت نحو 80.7%. وهذا يعني أن المخزونات تقل بنحو 13 نقطة مئوية عن مستويات العام السابق وبأكثر من 17 نقطة مئوية عن المتوسط التاريخي.

فجوة كبيرة قبل الشتاء

تكمن أهمية هذه الأرقام في أن المخزونات تحت الأرض تمثل أحد أهم خطوط الدفاع عن منظومة الطاقة الأوروبية خلال فصل الشتاء، إذ يمكنها في الظروف الطبيعية تغطية نسبة كبيرة من الطلب الموسمي على الغاز، خصوصًا خلال موجات البرد وارتفاع استهلاك التدفئة وتوليد الكهرباء.

وكان الاتحاد الأوروبي قد بدأ موسم إعادة التعبئة الحالي من قاعدة منخفضة للغاية، بعدما هبطت المخزونات إلى نحو 27.7% في نهاية مارس/آذار 2026، قبل أن ترتفع بأكثر من 35 نقطة مئوية خلال الأشهر اللاحقة. ورغم هذا التحسن، لا تزال الفجوة عن المستويات المعتادة واسعة.

وفي مطلع أغسطس، أظهرت حسابات وكالة «تاس» المستندة إلى بيانات GIE أن المخزونات كانت عند نحو 57.4% فقط، وهو أدنى مستوى مسجل لهذا التاريخ منذ بدء السلسلة الإحصائية في 2011، قبل أن تتحسن تدريجيًا خلال الأسابيع التالية.

لماذا تتقدم عملية التعبئة ببطء؟

المشكلة لا ترتبط بتوفر منشآت التخزين، بل بالظروف الاقتصادية والجيوسياسية التي تحيط بشراء الغاز.

فارتفاع أسعار الغاز خلال الصيف قلل الجدوى التجارية من شراء كميات ضخمة وتخزينها لفصل الشتاء، خصوصًا عندما تصبح أسعار التسليم الفوري أو الصيفي مرتفعة مقارنة بأسعار العقود الشتوية.

كما واجهت أوروبا منافسة قوية مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز الطبيعي المسال، بالتزامن مع اضطرابات كبيرة في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

وتشير بيانات حديثة إلى انخفاض حاد في صادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالحرب في المنطقة، بينما ارتفعت صادرات الغاز المسال الأميركية لتعويض جزء من النقص. غير أن ذلك لم يمنع استمرار الضغوط على السوق الأوروبية ومخزوناتها.

وسبق أن أظهرت بيانات يوليو/تموز انخفاض تدفقات الغاز المسال من المحطات الأوروبية إلى شبكات الاتحاد الأوروبي بنحو 26% على أساس سنوي، في فترة يفترض تقليديًا أن تشهد تسارعًا في إعادة ملء المخزونات.

ماذا عن هدف الـ90% الأوروبي؟

وفق القواعد الأوروبية المعدلة، لا يزال الاتحاد الأوروبي يستهدف الوصول بمخزونات الغاز إلى 90% من السعة، لكن النظام الجديد يمنح الدول مرونة أكبر، بحيث يمكن تحقيق الهدف في الفترة الممتدة من 1 أكتوبر/تشرين الأول إلى 1 ديسمبر/كانون الأول بدل الموعد الصارم السابق في 1 نوفمبر.

كما تسمح القواعد بانحراف يصل إلى 10% عن الهدف في حالات ظروف السوق الصعبة، مع إمكانية توفير مرونة إضافية إذا استمرت الظروف غير المواتية.

وبناءً على مستوى 63.3% المسجل في 24 أغسطس، لا يزال أمام الاتحاد الأوروبي نحو 26.7 نقطة مئوية للوصول إلى مستوى 90%، ما يجعل سرعة الحقن خلال سبتمبر وأكتوبر عاملًا حاسمًا في تحديد حجم الاحتياطي المتاح للشتاء.

غازبروم تتوقع عدم تجاوز 75%

من جانبها، حذرت شركة غازبروم الروسية من أن أوروبا قد تدخل موسم التدفئة بمخزونات تقل حتى عن مستوى 75% إذا استمرت معدلات التعبئة الضعيفة.

لكن هذا الرقم يمثل توقعًا صادرًا عن الشركة الروسية وليس تقديرًا رسميًا للاتحاد الأوروبي، كما أن مسار المخزونات النهائي سيعتمد على الأسعار وكميات الغاز المسال المتاحة ودرجات الحرارة والطلب الصناعي خلال الأسابيع المقبلة.

وفي المقابل، قالت المفوضية الأوروبية في 20 أغسطس إنها لا ترى في الوقت الحالي خطرًا مباشرًا على أمن إمدادات الغاز، رغم اعترافها بأن مستويات التخزين أدنى بوضوح من العام الماضي.

الأسعار أول المتأثرين

اقتصاديًا، لا يعني انخفاض المخزونات أن أوروبا تتجه بالضرورة إلى نقص فعلي في الغاز، لكنه يرفع علاوة المخاطر التي تدخل في تسعير عقود الغاز والكهرباء.

كلما انخفض الاحتياطي المتاح عند بداية الشتاء، ازدادت حساسية الأسواق تجاه أي موجة برد قوية أو تعطل في الإمدادات أو منافسة آسيوية إضافية على الغاز المسال.

وقد بدأت هذه المخاطر بالانعكاس بالفعل على أسواق الكهرباء الأوروبية، إذ سجلت عقود الكهرباء الشتوية علاوة سعرية مرتفعة مقارنة بعقود الفترات اللاحقة، وسط مخاوف مرتبطة بانخفاض مخزونات الغاز والطاقة الكهرومائية.

خطر عودة التضخم عبر بوابة الطاقة

تمثل أسعار الغاز عنصرًا أساسيًا في تكلفة الكهرباء والصناعة والتدفئة في العديد من الاقتصادات الأوروبية.

لذلك فإن استمرار الأسعار المرتفعة قد ينتقل تدريجيًا إلى:

  • فواتير الكهرباء والتدفئة للأسر.

  • تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.

  • أسعار الأسمدة والكيماويات والمعادن والزجاج.

  • معدلات التضخم وأسعار المستهلك.

  • تنافسية الصناعة الأوروبية أمام الولايات المتحدة وآسيا.

وقد ظهرت أولى المؤشرات في بريطانيا، حيث تقرر رفع سقف أسعار الطاقة المنزلية بنسبة 4% اعتبارًا من أكتوبر، في ظل ارتفاع تكاليف الغاز بالجملة والاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.

ثلاثة سيناريوهات للشتاء الأوروبي

السيناريو الأول: شتاء معتدل

إذا بقيت درجات الحرارة أعلى من المتوسط واستمرت تدفقات الغاز من النرويج والولايات المتحدة وشمال أفريقيا دون اضطرابات كبيرة، يمكن لأوروبا إدارة المخزونات الحالية حتى وإن دخلت الشتاء بمستويات أقل من السنوات الماضية.

السيناريو الثاني: شتاء بارد وارتفاع الطلب

موجات برد طويلة ستؤدي إلى تسريع السحب من المخزونات ورفع أسعار الغاز والكهرباء بصورة ملموسة، وقد تعيد ضغوط التضخم إلى واجهة السياسة النقدية الأوروبية.

السيناريو الثالث: تعطل إضافي في الإمدادات

يبقى هذا السيناريو الأكثر خطورة. فإذا اجتمع الشتاء البارد مع تعطل كبير في شحنات الغاز المسال أو خطوط الأنابيب، يمكن أن تواجه أوروبا ارتفاعات حادة في الأسعار وحاجة أكبر إلى إجراءات لترشيد الطلب وتأمين شحنات فورية بأسعار مرتفعة.

أوروبا ليست أمام أزمة إمدادات بعد.. لكنها فقدت هامش الأمان

المشكلة الأساسية التي تظهرها بيانات المخزونات الحالية ليست أن القارة ستنفد من الغاز خلال أشهر، وإنما أن هامش الأمان الذي كانت تتمتع به أوروبا في شتاءي 2023 و2024 تقلص بدرجة كبيرة.

وبعد أن نجحت أوروبا خلال السنوات الماضية في بناء مخزونات مرتفعة وتنويع مصادر الإمدادات بعيدًا عن الغاز الروسي، أصبح أمن الطاقة الأوروبي أكثر ارتباطًا بسوق الغاز المسال العالمية وأسعار الشحن والتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة وآسيا.

ومع اقتراب موسم التدفئة، سيكون المؤشر الأهم خلال الأسابيع المقبلة هو سرعة زيادة المخزونات مقارنة بوتيرة ارتفاع الطلب والأسعار. فإذا بقي معدل الحقن منخفضًا، قد تدخل أوروبا شتاء 2026-2027 بمخزون أقل بكثير من المستويات التي اعتادتها منذ أزمة الطاقة، وهو ما سيجعل أي صدمة في العرض أو الطقس أكثر تأثيرًا على الأسعار والاقتصاد.

المصادر: Gas Infrastructure Europe (GIE)، المفوضية الأوروبية، مجلس الاتحاد الأوروبي، Reuters، TASS.

اعداد محمد قاسم 

cnn-star.com — مخزونات الغاز الأوروبية عند نحو 63% — أدنى مستوى منذ 2011
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى