اقتصاد

الفائدة ترتفع والنفط فوق 100 دولار: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من التشدد النقدي

يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة أكثر تعقيداً مع عودة البنوك المركزية الكبرى إلى تشديد السياسة النقدية، في وقت تتقاطع فيه ثلاثة عوامل ثقيلة على الأسواق: تضخم لا يزال أعلى من المستهدف، أسعار طاقة مرتفعة بفعل أزمات الشرق الأوسط، ونمو اقتصادي أميركي يظهر قدرة أكبر من المتوقع على تحمل أسعار الفائدة المرتفعة.

وجاء التحول الأبرز من واشنطن، حيث رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، منهياً مرحلة طويلة من التثبيت والخفض ومعلناً عملياً أن معركة التضخم لم تنته بعد.

الفيدرالي يبدأ دورة رفع جديدة

قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه المنتهي في 16 أيلول/سبتمبر رفع النطاق المستهدف للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 3.75%–4.00%، في قرار اتخذته لجنة السوق المفتوحة بالإجماع. وأوضح البنك المركزي أن النشاط الاقتصادي الأميركي يواصل التوسع بوتيرة قوية، فيما لا يزال التضخم مرتفعاً عن المستوى المقبول.

ويشكل القرار أول زيادة للفائدة منذ عام 2023، كما يمثل أول اختبار نقدي كبير في عهد رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وورش.

ولم يكتف الفيدرالي برفع الفائدة الحالية، إذ أظهرت توقعات صانعي السياسة أن 16 من أصل 18 مسؤولاً يتوقعون زيادة واحدة إضافية على الأقل قبل نهاية 2026، بينما يشير متوسط التوقعات إلى وصول سعر الفائدة إلى نحو 4.1% في نهاية العام.

المغزى هنا واضح: الفيدرالي لا يرى زيادة أيلول خطوة معزولة بالضرورة، بل بداية مرحلة قد تبقى فيها السياسة النقدية مقيدة لفترة أطول مما كانت الأسواق تتوقعه قبل أشهر.

التضخم هو المشكلة… وليس ضعف الاقتصاد

اللافت أن رفع الفائدة لا يأتي في مواجهة اقتصاد يتباطأ بصورة حادة، بل في ظل اقتصاد لا يزال يظهر قوة ملحوظة.

ورفع الفيدرالي توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في 2026 إلى 2.3%، مقابل 2.2% في توقعاته السابقة، كما يتوقع نمواً بنسبة 2.4% في 2027. وفي المقابل، يتوقع بقاء معدل البطالة عند نحو 4.1%، وهو مستوى لا يشير حتى الآن إلى تدهور واسع في سوق العمل.

أما العقدة الرئيسية فهي التضخم. ويتوقع الفيدرالي أن يبلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7% في نهاية 2026، فيما يتوقع أن يبلغ التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، نحو 3.4%. ولا تشير توقعاته إلى العودة الكاملة إلى هدف 2% قبل عام 2029.

وهذا يعني أن الاقتصاد الأميركي يعيش تركيبة غير مريحة للسياسة النقدية: نمو قوي بما يكفي لتحمل رفع الفائدة، لكن تضخماً مرتفعاً بما يكفي لمنع الفيدرالي من التراجع سريعاً.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى محرك اقتصادي

ومن أبرز عناصر القوة في الاقتصاد الأميركي استمرار الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات وأشباه الموصلات والبنية التحتية الرقمية.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي ساهمت في إبقاء الاستثمار والإنتاجية والنمو عند مستويات مرتفعة، حتى مع ارتفاع تكلفة الاقتراض.

لكن لهذه الطفرة وجهاً آخر؛ فارتفاع الإنفاق والاستثمار والطلب على الكهرباء والبنية التحتية يمكن أن يبقي الاقتصاد أكثر سخونة، وبالتالي يجعل مهمة الفيدرالي في خفض التضخم أكثر صعوبة.

بعبارة أخرى، أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي عاملاً يدعم أسواق الأسهم والنمو من جهة، لكنها قد تساعد بصورة غير مباشرة في إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة من جهة أخرى.

وول ستريت استوعبت الصدمة… حتى الآن

كانت ردة فعل الأسواق الأولية متقلبة، لكن الأسهم الأميركية تمكنت في جلسة الخميس من تحقيق مكاسب قوية بعد استيعاب المستثمرين قرار الفيدرالي.

ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 0.6%، وستاندرد آند بورز 500 بنحو 1.1%، فيما صعد ناسداك قرابة 1.7%، مستفيداً بصورة خاصة من أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لكن الصورة تغيرت جزئياً خلال تعاملات الجمعة مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية مجدداً واقتراب العائد على السندات لأجل عشر سنوات من مستوى 5%، وهو مستوى يرفع تكلفة التمويل في الاقتصاد ويشكل منافساً قوياً للأسهم.

ولهذا فإن ارتفاع الأسهم لا يعني أن المستثمرين أصبحوا مرتاحين لمسار الفائدة، بل إن الأسواق تحاول الموازنة بين أرباح الشركات القوية واستمرار النمو من جهة، وارتفاع تكلفة الأموال من جهة أخرى.

الذهب يتماسك رغم الفائدة المرتفعة

وفي سوق المعادن، ارتفع الذهب الجمعة إلى أعلى مستوى له في أسبوع، مسجلاً نحو 4372 دولاراً للأونصة بارتفاع يقارب 0.7% خلال التعاملات، بينما بلغت العقود الأميركية نحو 4411 دولاراً.

ويبدو هذا التحرك لافتاً لأن ارتفاع أسعار الفائدة عادة ما يضغط على الذهب، الذي لا يدر عائداً.

لكن استمرار المخاطر الجيوسياسية، والتقلبات في أسواق الطاقة، والمخاوف المرتبطة بالتضخم والديون الحكومية، أبقت الطلب على المعدن الأصفر مرتفعاً.

كما ساعد تراجع النفط من أعلى مستوياته الأخيرة على تهدئة توقعات التضخم جزئياً، ودفع بعض المتعاملين إلى إغلاق مراكز المراهنة على هبوط الذهب بعد قرار الفيدرالي.

النفط يتراجع… لكنه لا يزال فوق 100 دولار

ورغم تراجع أسعار الخام عن القمم التي سجلتها خلال الأسبوع، فإن الحديث عن انخفاض خام غرب تكساس إلى ما دون 100 دولار لا يعكس مستويات التداول الأحدث.

ففي تعاملات 18 أيلول، جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب 102.8 دولار للبرميل، فيما سجل خام برنت نحو 104.5 دولارات، بعد أن تجاوز برنت 109 دولارات في وقت سابق من الأسبوع.

ويعكس التذبذب صراعاً بين عاملين متناقضين: من جهة، توقعات بعودة جزء من الإمدادات السعودية وتراجع بعض المخاوف الفورية؛ ومن جهة أخرى، استمرار المخاطر المحيطة بالبنية التحتية النفطية السعودية ومضيق هرمز واليمن والبحر الأحمر.

ولهذا يبقى النفط واحداً من أخطر المتغيرات التي تواجه البنوك المركزية.

فإذا استقرت الأسعار فوق 100 دولار لفترة طويلة، ستنتقل التكلفة تدريجياً من الطاقة إلى النقل والتصنيع والمواد الغذائية، ما يجعل التضخم أكثر رسوخاً ويجبر البنوك المركزية على إبقاء الفائدة مرتفعة.

الشرق الأوسط يعيد رسم توقعات التضخم

أصبحت الحرب والتوترات الإقليمية جزءاً مباشراً من معادلة السياسة النقدية العالمية.

فالاضطرابات في مضيق هرمز، والهجمات على منشآت الطاقة السعودية، والتصعيد في اليمن والبحر الأحمر، كلها عوامل رفعت علاوة المخاطر في أسواق النفط والشحن والتأمين.

وأشار الفيدرالي نفسه إلى استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية، فيما رفعت توقعاته للتضخم خلال 2026.

والمشكلة أن صدمة الطاقة تختلف عن التضخم الناتج عن زيادة الطلب المحلي؛ فالبنوك المركزية لا تستطيع إنتاج النفط أو إصلاح الممرات البحرية عبر رفع الفائدة، لكنها مضطرة إلى التدخل إذا بدأت أسعار الطاقة المرتفعة تنتقل إلى توقعات التضخم والأجور وأسعار السلع الأخرى.

موجة رفع عالمية لا أميركية فقط

ولا يقتصر التحول على الولايات المتحدة.

فقد رفع بنك اليابان أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما أبقى بنك إنجلترا الفائدة من دون تغيير لكنه أرسل إشارات أكثر تشدداً بشأن التضخم. كما تبقى الأسواق مستعدة لاحتمال تحركات إضافية من البنك المركزي الأوروبي إذا استمرت ضغوط الأسعار.

وهذا التحول مهم لأن الاقتصاد العالمي كان قبل فترة قصيرة يتوقع اتجاهاً عاماً نحو تخفيض أسعار الفائدة.

أما اليوم، فالصورة انعكست جزئياً: الطاقة ارتفعت، التضخم عاد إلى الواجهة، والعوائد الحكومية صعدت، ما يدفع عدداً متزايداً من البنوك المركزية إلى إعادة فتح باب التشديد النقدي.

هل تكون دورة رفع قصيرة؟

يراهن جزء من المستثمرين على أن تكون دورة التشديد الجديدة محدودة، خصوصاً إذا تراجعت أسعار النفط وبدأ التضخم بالانخفاض خلال الأشهر المقبلة.

لكن هذا السيناريو ليس مضموناً.

فالتوقعات الرسمية للفيدرالي نفسها تشير إلى فائدة أعلى في نهاية 2026، بينما أظهرت أسواق العقود الآجلة في 18 أيلول احتمالاً ملموساً لرفع آخر في الاجتماع التالي.

أما العامل الحاسم فسيكون التوازن بين ثلاثة متغيرات: التضخم، النمو، والطاقة.

إذا انخفض النفط وتباطأ التضخم من دون انهيار النمو، يمكن أن تكون دورة الرفع محدودة نسبياً. أما إذا بقي النفط مرتفعاً واستمر الاقتصاد الأميركي بالنمو القوي، فقد يجد الفيدرالي نفسه مضطراً إلى إبقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة فترة أطول.
الفائدة ترتفع والنفط فوق 100 دولار: الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة جديدة من التشدد النقدي

الاقتصاد العالمي أمام اختبار «الفائدة المرتفعة والطاقة الغالية»

الصورة الحالية ليست صورة اقتصاد عالمي على حافة الركود، لكنها أيضاً ليست بيئة مريحة.

فالولايات المتحدة لا تزال تنمو، وسوق العمل متماسك، والاستثمار التكنولوجي قوي، والشركات الكبرى تحقق أرباحاً كبيرة. لكن في المقابل، النفط فوق 100 دولار، التضخم الأميركي عند مستويات مرتفعة، عوائد السندات تقترب من 5%، والبنوك المركزية تعود إلى رفع أسعار الفائدة.

وهذا المزيج يرفع خطر الدخول في مرحلة يكون فيها النمو موجوداً، لكن تكلفة التمويل والطاقة تبقى مرتفعة في الوقت نفسه.

لذلك قد لا يكون السؤال الرئيسي خلال الأشهر المقبلة ما إذا كان الاقتصاد العالمي سيدخل ركوداً فورياً، بل ما إذا كان يستطيع تحمل فترة ممتدة من أسعار الفائدة المرتفعة والنفط الغالي من دون أن ينتقل الضغط من أسواق السندات والطاقة إلى الاستهلاك والاستثمار والتوظيف.

وهنا تكمن المعركة الاقتصادية الحقيقية لما تبقى من 2026.

cnn-star.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى